إسرائيل وسباق الذكاء الاصطناعي
تاريخ النشر: 21/06/2023 - عدد القراءات: 1403
إسرائيل وسباق الذكاء الاصطناعي
إسرائيل وسباق الذكاء الاصطناعي


بقلم: أ. كريم قرط، باحث في مؤسسة يبوس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية، رام الله

 يحتل الذكاء الاصطناعي مساحة مهمة من النقاش السياسي لدى الاحتلال الإسرائيلي منذ عدة سنوات، ولكن هذا الاهتمام والانشغال به قد تزايد في الأشهر الأخيرة بعد انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي وجعلها متاحة للاستخدام الشخصي للمدنيين في مختلف دول العالم. لا سيما وأن المنافسة العالمية على إنشاء تطبيقات الذكاء الاصطناعي وإتاحتها للجمهور قد احتدمت مع ظهور ChatGPT، المملوك لشركة OpenAI، الذي تأسس في أواخر عام 2022، وبدأ يأخذ شهرة واسعة مع بدايات عام 2023. إذ مع انتشار هذا التطبيق على مدى واسع بدأت كبريات شركات التكنولوجيا العالمية بإنشاء تطبيقات خاصة بها للذكاء الاصطناعي وجعلها متاحة للاستخدام العام.

ضمن هذا السياق بدأت إسرائيل تستشعر الحاجة للانضمام إلى ركب المنافسة العالمية، ليس في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات الاقتصادية والتعليمية والطبية والأمنية فقط، وإنما في إنتاج هذه التطبيقات وتطوريها؛ لأن العالم يشهد تحولا مهما، أو "ثورة الذكاء الاصطناعي" التي ستغير شكل العالم.

كان رئيس الوزارء الإسرائيلي الأسبق ورجل الأعمال في قطاع الهايتك نفتالي بينيت من أبرز الشخصيات التي أولت اهتماما بهذا الموضوع. إذ إنه نشر منشورا مطولا، في أواخر شهر مايو/أيار المنصرم، دعا فيه إلى سرعة التحول للمنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي. إذ قال: "لا وقت لإضاعته، على دولة إسرائيل أن تضع لنفسها هدفا واضحا: أن تتحول مع عام 2030 لإحدى القوى العظمى الثلاثة الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي".  وقد وضح فيه الاستخدامات الممكنة للذكاء الاصطناعي في عدد من المجالات والفوائد المتأتية منها في ضوء المنافسة العالمية على الهيمنة على هذا المجال. وأضاف: "لدينا خياران اثنان: إما أن نضيع الوقت الثمين في الهراء وندع  أعداءنا يصلون للريادة التكنولوجية والأساسية في المجال، وإما أن نتحول لدولة رائدة عالمية في التكنولوجيا نفسها وفي الاستخدام الماهر لها في حياتنا".

يعكس هذا التصريح أن إسرائيل لا تسعى إلى الاستفادة فقط من الذكاء الاصطناعي أو المساهمة في إنتاجه وتطويره عالميا، وإنما أن تتحول إلى  قطب عالمي في المجال تتنافس فيه مع القوى الكبرى، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية والصين. ولكن لماذا هذا السعي الإسرائيلي إلى هذه المكانة والقلق المرافق لها من التأخر عن الركب؟ وقبل الإجابة عن هذا السؤال لا بد من التوضيح أن إسرائيل من أوائل الدول التي التفتت إلى استخدامات الذكاء الاصطناعي لا سيما في المجال الأمني وبدأت تطبيقه فيه منذ عدة سنوات.

فالوحدات التكنولوجية في جيش الاحتلال، وبالتحديد وحدة 8200 ووحدة لوتم، المختصة في مجال المعلومات والتكنولوجيا، بدأتا باستخدام الذكاء الاصطناعي منذ العقد الماضي. ولكن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2021 (عملية حارس الأسوار) كانت هي الجولة الأولى التي يستخدم فيها جيش الاحتلال الذكاء الاصطناعي في المعركة. إذ تمكن جيش الاحتلال خلال المعركة من رصد المقاومين وتمييزهم من بين جموع غفيرة من الناس، وكذلك تمكن من تحديد 200 هدف جديد أضيف على قائمة الأهداف خلال المعركة.

كما استخدم جيش الاحتلال الذكاء الاصطناعي في عدواني عام 2022 و2023 على قطاع غزة، وكان لتطبيقات الذكاء الاصطناعي دور مهم في تمكن جيش الاحتلال من اغتيال القادة العسكريين لحركة الجهاد الإسلامي خلال العدوان.

وللذكاء الاصطناعي استخدامات متعددة لدى جيش الاحتلال، حيث إنه مدمج في عملية اتخاذ القرارت، ما يؤدي إلى سرعة تنفيذ العمليات ومعالجة المعلومات والبيانات الهائلة المتراكمة وتحليلها. ومن ذلك استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل الصور والفيديوهات، وتحسين جودتها لتظهر تفاصيلها بوضوح، وكذلك يعمل الذكاء الاصطناعي على تحليل هذه الصور لتحديد ما إذا كانت الأمور طبيعية أم أنها غير طبيعية، خاصة الصور والفيديوهات القادمة من كاميرات المراقبة على الحدود. وبالإضافة إلى ذلك، يستخدم الذكاء الاصطناعي في منظومات الدفاع الجوي، كالقبة الحديدية، التي أصبحت من خلال الذكاء الاصطناعي تحلل المعلومات التي يلتقطها الرادار وتتخذ قرار الاعتراض بشكل فوري دون تدخل بشري بناء على تحليل المعلومات التي جمعتها. وهذه كلها معطيات تساهم في تحسين اتخاذ القرارات وتعزيز القدرات الدفاعية والهجومية لدى جيش الاحتلال، الذي سيسعى في السنوات القادمة إلى الاستمرار في التحسين والاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

ومن جانب آخر، هناك اهتمام في إدخال تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى مختلف المجالات، وعدم اقتصارها على الأمن، مثل الطاقة والصحة والتعليم تماشيا مع التحول العالمي لاستدخال الذكاء الاططناعي في شتى المجالات.

وبالعودة إلى سؤال الاهتمام الإسرائيلي بالتحول إلى قوة عظمى في الذكاء الاصطناعي، لا يبدو أن الأمر بالنسبة لإسرائيل مجرد منافسة اقتصادية لها فوائد ومنافع للاقتصاد والمجتمع الإسرائيلي، وإنما تتعدى ذلك لتكون مسألة وجودية للمشروع الصيوني برمته.

ففي كتاب الدكتورة ليرن عنتيبي الصادر عن معهد أبحاث القومي الإسرائيلي عام 2020، بعنوان "الذكاء الاصطناعي والأمن القومي في إسرائيل" الذي تناقش فيه تطورات الذكاء الاصطناعي واستخداماتها المتعددة وتأثير ذلك على الأمن القومي الإسرائيلي؛ توضح ليرن أنه يمكن القول أن عقيدة الأمن القومي الإسرائيلي مبنية على أربعة أهداف. وهي الأهداف التي صاغتها "لجنة بلورة مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي"، المعروفة بلجنة ميردور عام 2018. وهذه الأهداف هي:

·        تأمين وجود "دولة إسرائيل"، والدفاع عن سلامة أراضيها كاملة، وعن أمن مواطنيها والمقيمين فيها.

·        الدفاع عن قيم إسرائيل كدولة يهودية ديموقراطية ووطن للشعب اليهودي.

·        ضمان قدرتها على الحفاظ على حصانة اقتصادية اجتماعية كما هو موجود في الدول المتقدمة.

·        تعزيز موقعها الدولي والإقليمي والسعي للسلام مع جيرانها.

توضح ليرن كيف يمكن أن يساهم الذكاء الاصطناعي في تحقيق هذه الأهداف، وكذلك في خدمة مبادئ عقيدة الأمن القومي الإسرائيلي، الردع، الإنذار، الحسم، الدفاع.

ولكن بعيدا عن طرح ليرن، يبدو أن أكثر عنصرين صلة بالذكاء الاصطناعي من بين أهداف الأمن القومي الإسرئيلي هما الحفاظ على مستوى اقتصادي واجتماعي كما لدى الدول المتقدمة، وتعزيز الموقع الدولي لإسرائيل. وهذا متعلق بالتحولات الاقتصادي والسياسية التي مرت بها إسرائيل خلال العقدين الماضيين.

إذ مرت إسرائيل بتحولات اقتصادية مهمة، أدت إلى تغيير النظام الاقتصادي من نظام موجه تمتلك الدولة فيه معظم الموارد والمنشآت والنشاط الاقتصادي، إلى اقتصاد نيوليبرالي مخصخص تراجع فيه دور الدولة لمصلحة القطاع الخاص. وترافق ذلك مع تحول في طبيعة الاقتصاد من اقتصاد معتمد على الزراعة والصناعة إلى اقتصاد متمحورحول القطاع التنكولوجي "الهايتك" منذ مطلع التسعينيات.

ويعود هذا التحول إلى الظروف الموضوعية التي تفرض حدودا على الاقتصاد الإسرائيلي، من حيث قلة الموارد وصغر حجم الدولة والمجتمع وعدم القدرة على المنافسة في المجال الصناعي أو الزراعي  مع الدول التي لديها أيدي عاملة رخيصة وموارد كبيرة كالدول الأسيوية. وهذا ما حتّم عليها التوجه للقطاع التكنولوجي الفائق للحفاظ على مستوياتها الاقتصادية العالية ومكانتها الدولية.  إذ ساهم تخصص إسرائيل في الخدمات ذات التقنية العالية في زيادة الإيرادات من العملات الأجنبية، وانخفاض الالتزامات الخارجية، وزيادة مستوى المعيشة والناتج المحلي الإجمالي، مستغلة بذلك استثمارها في الرأسمال البشري لديها خاصة مع هجرة يهود الاتحاد السوفيتي الذين كان منهم عدد كبير من المهندسين وذوي التعليم العالي.

وبالإضافة إلى ذلك، أصبحت إسرائيل نقطة جذب للشركات الرائدة في العالم بفضل نجاح المبادرات التكنولوجية المحلية ووجود الكفاءات وخريجي المعاهد ذات المستوى الأكاديمي العالي. فقطاع الهايتك في إسرائيل هو ليس أداة اقتصادية فقط بل أداة سياسية أيضا، إذ إنه يعود عليها بمردودات مالية وأمنية وسياسية كبيرة.  حيث تستغل إسرائيل قدراتها البرمجية وتطورها وتفوقها في مجال الهايتك، وخاصة السايبر، في بناء علاقاتها والحفاظ على مكانتها الدولية، بحيث تبقى مصدرا للتكنولوجيا وبنكا للمعلومات الأمنية في المنطقة، وذلك بهدف بناء علاقات دبلوماسية متينة مع العديد من الدول المتقدمة والمتطورة، وبذلك تستطيع إسرائيل أن تلعب دورا أكبر بكثير من حجمها في السياسة الدولية.

وبناء على ذلك، فإن الاهتمام الإسرائيلي بالذكاء الاصطناعي نابع من خشيتها من تراجع مستواها الاقتصادي والاجتماعي وتراجع مكانتها الدولية التي بنتها من خلال تخصصها في مجال الهايتك. فتحول العالم نحو الذكاء الاصطناعي سيجعل قطاع الهايتك الإسرائيلي غير كافٍ لاستمرار تقدمها ومكانتها الدولية، ولذلك لا بد من الانخراط في هذا المجال بأسرع وقت ممكن. وبمعنى آخر الحفاظ على جاذبية المشروع الصهيوني لدى اليهود، و"دولة إسرائيل" لدى دول العالم.

ولذلك يرى، عدد من الباحثين والسياسيين الإسرائيليين، أن على إسرائيل أن تسرع في التحول إلى الذكاء الاصطناعي، لأنها فعليا قد أضاعت وقتا ثمنيا كان يمكن استغلاله في هذا المسار. فمنذ عام 2018 أولت حكومات إسرائيل المتعاقبة اهتماما خاصا بالذكاء الاصطناعي، إذ أقيمت في ذلك العام أول لجنة حكومية مختصة في الذكاء الاصطناعي، وأعقبتها لجان متعددة تقدمت بتوصيات للاستثمار في مجال الذكاء الاصطناعي، غير أن الاضطرابات السياسية التي تعاني منها إسرائيل منذ ذلك الحين؛ جعلت توصيات تلك اللجان تذهب أدراج الرياح، وحتى التوصيات التي عملت بها الحكومة الحالية لم تنفذها كما نصت عليها اللجنة، خاصة فيما يتعلق بحجم الاستثمار في القطاع، وذلك يعود إلى التجاذبات السياسية التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي وحكومته.

ولكن في المقابل هناك العديد من الميزات التي تؤهل إسرائيل لتكون قوة عظمى في مجال الذكاء الاصطناعي، حسب ما يشير شاؤل زينغر، أحد مؤلفي كتاب "أمة الشركات الناشئة" 2009. فزينغر الذي ناقش في كتابه أسباب التفوق الاقتصادي الإسرائيلي يستشعر بالخطر على مستقبل هذه "المعجزة الاقتصادية" بسبب تأخرها في مجال الذكاء الاصطناعي. حيث يقول زينغر: "أن الذكاء الاصطناعي هو مجال أي مثالي لتوظيف الابتكار الإسرائيلي، لأن إسرائيل لديها خبرة في اللوغراتميات، ولديها العديد من شركات تعليم الآلة ML، وهو مجال وثيق الصلة بالذكاء الاصطناعي. وأيضا لديها شركة AI21 labs".

وشركة AI21 labs هي شركة ذكاء اصطناعي إسرائيلية تأسس في تل أبيب عام 2017، وطورت نموذج لغة خاص بها، Jurassic-2، وبنت شراكة مؤخرا مع شركة أمازون لاستخدام نوذج اللغة الخاصة بها وتطبيقاتها لتطوير تطبيق ذكاء اصطناعي خاص بأمازون. وهذا يشير إلى أن إسرائيل منخرطة فعليا في تطوير برامج الذكاء الاصطناعي، ولديها مؤهلات مهمة، ، إذ إنها في مجال التقدم التكنولوجي تتأرجح  بين المنزلة 9 ل 20، حسب مقاييس وممراكز مختلفة.  وهذه المقاييس تظهر أن إسرائيل لديها وضعية متقدمة بالنسبة للرأسمال البشري ولديها قدرات ومهارات بحثية متقدمة جدا.

ولكن ذلك غير كافٍ لتصبح دولة عظمى في المجال بما يخدم أهداف الأمن القومي الإسرائيلي، ويعود السبب الأساسي لتأخرها في مجال المنافسة إلى الاضطرابات السياسية وانشغال الحكومات المتعاقبة بأزماتها السياسية. ففيما يتعلق بمقاييس البنى التحتية الملائمة والاستراتيجيات الحكومية الداعمة للذكاء الاصطناعي، فإسرائيل في مراتب متأخرة، 29 من ناحية البنية التحتية و45 من ناحية الاستراتيجيات الحكومية.

وفي المحصلة، مهما أثرت الاضطرابات السياسية على اهتمام إسرائيل بالذكاء الاصطناعي، فإنها سرعان ما ستعطيه الأهمية المطلوبة، لأن هذا المجال يقع في قلب أهداف الأمن القومي الإسرائيلي التي تضمن استمرارية المشروع الصهيوني. وبناء على هذه القناعات، أجرى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو محادثتين، مؤخرا، مع رجل الأعمال الأمريكي أيلون ماسك، وكذلك مع سام ألتمان المدير التنفيذي لشركة open AI ناقش خلالهما فرص ومخاطر الذكاء الاصطناعي وقدرات إسرائيل في هذا المجال. واختتم إعلانه عن هذه المحادثات بقوله: "كما جعلنا إسرائيل قوة دولية عظمى في مجال السايبر، كذلك سنجعلها في مجال الذكاء الاصطناعي".

تم طباعة هذا المقال من موقع يبوس للإستشارات والدراسات الاستراتيجية (yabous.info)

© جميع الحقوق محفوظة

(طباعة)