مسيرة الأعلام الصهيونية.. حلم الهوية اليهودية المتراجع
تاريخ النشر: 20/06/2021 - عدد القراءات: 2540
مسيرة الأعلام الصهيونية.. حلم الهوية اليهودية المتراجع
مسيرة الأعلام الصهيونية.. حلم الهوية اليهودية المتراجع


بقلم: كريم قرط، باحث في مؤسسة يبوس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية

  تحتفل إسرائيل سنويا بما يسمى يوم توحيد القدس، الذي تمكنت خلاله من احتلال كامل مدينة عام ١٩٦٧،حيث كانت بداية المسيرة بقيادة الراب تسفي يهودا كوك (أحد قادة الصهيونية الدينية وابن الحاخام ابراهام كوك)، وتلاميذ "يشيفات مركاز هراف "حلقة دينية، التي كانت تتوجه الى حائط البراق من خلال شارع يافا، بالغناء والرقص، في ساعات المساء  بعد انتهاء الاحتفال في قاعة اليشفاه، هذه العادة بدأت في سنة ١٩٦٨.[1] وفي ذات العام بتاريخ ١٢ أيار أصدرت الحكومة الإسرائيلية قرارا يعتبر التاريخ العبري احتلال مدينة القدس عيدا وطنيا يسمى عيد القدس، شددت من خلاله على الرابط التاريخي، المزعوم، بين المدينة والشعب اليهودي.  وفي ال ٢٣ مارس ١٩٩٢ صادق الكنيست الإسرائيلي على قانون"يوم القدس" وتم الإعلان عن يوم القدس عيدا قوميا. [2]

 محطات تاريخية

كان المبادر لإنشاء مسيرة الأعلام الحاخام يهودا حزاني سنة ١٩٧٤(الذي كان أحد قادة ومؤسسي حركة غوش ايمونيم (كتلة الايمان) الدينية الاستيطانية والذي كان تلميذا في شيفات مركاز هراف وأحد تلامذة الراب تسفي كوك، الذي أطلق عليه لقب "صاحب الآلاف" لأنه كان مسؤولا عن تنظيم مظاهرات تضم الآلاف من الأشخاص، وتوفي في سنة ١٩٩٢)[3]. وقام بإدخال الرقص والأعلام والمزامير للاحتفال بمشاركة تلاميذ حلقات دينية أخرى، وفي وقت لاحق تقرر إجراء المسيرة في ساعات النهار، لأجل السماح لأناس آخرين للانضمام للمسيرة.  وتنظم اليوم المسيرة جمعية (عام كلافي) وهي جمعية يمينية متطرفة رسمية تعمل في المجال الجماهيري السياسي الثقافي والاجتماعي لتحقيق فكرة إحياء شعب إسرائيل في أرضه حسب توراة إسرائيل من خلال الصهيونية الدينية القومية.[4]ويقف اليوم على رأس المسيرة الراب خاييم دروكمان وهو معلم وقائد اجتماعي صهيوني ديني وهو رئيس يشيفات أور تسعيون .

 تمول المسيرة جمعية (عام كلافي) وبلدية القدس ووزارة التعليم وشركة تطوير الجزء اليهودي في القدس. ومعظم المشاركين فيها من الصهيونيين المتدينين الذين يصلون الى المدينة من كل أجزاء إسرائيل، وفي السنوات الأخيرة كان هناك انفصال بين الرجال والنساء حيث تسير النساء خلف المسيرة أو أمامها. ويدخل المتظاهرون الى البلدة القديمة، ولكن في سنوات ٢٠١٠-٢٠١٦ منعت الشرطة الإسرائيلية دخول المستوطنين إلى البلدة القديمة، وفي سنة ٢٠١١ غيرت مسارها لتمر من الشيخ جراح، إلا أنه في سنة ٢٠١٧سمحت الحكومة الاسرائيلية بدخول المستوطنين إلى القدس الشرقية، وذلك تقديرا لمرور ذكرى  ٥٠ عام على احتلال القدس. [5]

 وبمناسبة هذه الذكرى قررت حكومة الاحتلال وضع عبارة "تحرير القدس"  بدل "توحيد القدس"، وهو قرار اتخذته وزيرة الثقافة الإسرائيلية في حينها، أطلقته على الاحتفال الرسمي باحتلال المدينة[6]. وفي تلك الذكرى دعت نائبة وزير الخارجية الإسرائيلية "تسيفي حتوفلي" للاحتفاء بإحياء الذكرى الخمسين لاحتلال القدس الشرقية وتوحيد المدينة تحت السيادة الإسرائيلية؛ عبر اقتحام المسجد الاقصى. وقالت أمام حشد من المستوطنين والناشطين اليمينيين المتطرفين في حزب الليكود "أنه قبل خمسين عاما سمعنا نداء جبل الهيكل في أيدينا، الآن، في سنة اليوبيل مهمتنا هي أن نثبت ونظهر للعالم أجمع أن جبل الهيكل في أيدينا، وأن الجبل مفتوح لليهود وهذا شرف عظيم لنا." [7]

 على الرغم من أن المستوطنين احتفلوا على نطاق واسع في سبعينات القرن الماضي بهذه الذكرى، إلا أنه منذ الثمانينيات، وبعد الانتفاضة الأولى خصوصا، أصبحت المسيرة حكراً على الصهيونيين المتدينين، فبالكاد يمكن ملاحظة وجود مشاركين من خارج المعسكر الصهيوني المتدين، حيث أصبحت هذه المسيرة بمثابة عمل استفزازي متطرف. [8]

 تنطلق المسيرة عصراً عبر الشارع رقم (١)، أو من أمام مقبرة مأمن الله غرب البلدة القديمة وتمر من بابين من أبواب القدس القديمة هم بابا الخليل والجديد، ثم تصل إلى باب العامود [9]. ويتوجه المستوطنون بعد مرورهم من باب العامود إلى ساحة البراق حيث تنتهي الاحتفالات هناك مساء، يتخلل هذه المسيرة الرقص بالأعلام الإسرائيلية وهتافات مبجلة للقدس والهيكل المزعوم، وفي كثير من الأحيان هتافات مسيئة للإسلام والنبي محمد، يشهد هذا اليوم منذ ساعات الصباح الباكر اقتحامات واسعة للمسجد الأقصى من قِبل المستوطنين.[10] وفي ليلة ويوم الذكرى، يقيم الحاخامات جلسات في الكنس والمناطق الدينية بمشاركة منتخبي جمهور ( مثل السياسيين وأعضاء الكنيست)، في حين تنظم وقفات وطقوس إحياء لذكرى الذين سقطوا خلال هذه المعارك، خاصة عند النصب التذكاري في منطقة "جفعات هتحموشيت" (بين الشيخ جراح والتلة الفرنسية) التي شهدت أصعب المعارك. [11]

 وعادة ما تجبر الشرطة الإسرائيلية أصحاب المتاجر الفلسطينيين بالحي القديم على إغلاق  محالهم التجارية لمنع حدوث احتكاكات بينهم وبين المستوطنين المشاركين في المسيرة، كما تقيم العديد من الحواجز لمنع وقوع مواجهات بين الفلسطينيين والمستوطنين. [12]

  على المستوى الرسمي تنظم في يوم القدس مراسم احتفالية رسمية بمشاركة رئيس الوزراء ورئيس الدولة في متحف " تلة الذخيرة"، وهي تلة تقع الى الغرب من الشيخ جراح كانت تحتوي على معسكر أردني قبل العام  ١٩٦٧. [13]

  وفي سنوات ٢٠١٥-٢٠١٦ رفضت المحكمة الإسرائيلية العليا التماسات قدمتها جمعية (عير عاميم) مدينة شعوب، ومنظمة (تاغ مئير) إشارة مضيئة لمنع المسيرة من المرور في الجزء العربي. [14]

 يرى الباحث في شؤون القدس زياد بحيص "أن الاحتفال بهذه المناسبة منذ العام ١٩٦٨حتى عام ٢٠٠٠  كان يأخذ شكل الاستعراض على الصعيد الرسمي لتنظيم عروض عسكرية لقتلاهم الذين سقطوا في المعارك، واستعراض إنجازات الدولة. ولكن منذ العام ٢٠٠٠ بدأت الاحتفالات تأخذ شكل الاستعراض الشعبي للغلبة اليهودية الهوياتية في القدس، فأصبح من أحد أساسيات المسيرة أن تجوب البلدة القديمة وتعمد دخول المستوطنين من أبواب العامود الساهرة والأسباط، التي تؤدي إلى  الأحياء العربية الإسلامية في المدينة في محاولة لتكريس باب العامود كمدخل أساسي للمسيرة.[15]

 مسيرة الأعلام .. واقع جديد

في العام الحالي 2021 كان المفروض أن تسير مسيرة الأعلام الصهيونية بشكل معتاد مثل باقي السنين، إلا أن هذا العام شهد تغيراً مهماً في واقع مدينة القدس والسيطرة الإسرائيلية عليها.  فقد ترافقت الدعوات لهذه المسيرة مع جملة من الاستفزازات الصهيونية للفلسطينين في القدس التي دعت لها عدد من المنظمات الصهيونية اليمينية المتطرفة بدعم من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو،  الذي كان يحاول تأزيم الأوضاع لتحقيق مكاسب سياسية وإعاقة تشكل حكومة مناوئة له تزيله عن الحكم.

 ففي مطلع شهر رمضان أعلنت عدد من الجماعات الصهيونية المتطرفة عن تنفيذ اقتحام كثير للمسجد الأقصى في ذكرى "توحيد القدس" وأعلنت أن هناك أكثر من ٣٠ ألف مستوطن سيقتحمون المسجد الأقصى في ذلك اليوم. [16]جاءت تلك الدعوة في جو من التصعيد والمواجهات في مدينة القدس نتيجة استفزازات المستوطنين ومحاولة إسرائيل فرض وقائع جديدة في المدينة تؤدي إلى سلب الفلسطينيين فيها من حقوقهم في المكان.

 كان من أبرز الساسة الإسرائيليين الذين عملوا على تنظيم هذه المسيرة في هذا العام ٢٠٢١ عضو الكنيست المتطرف "مائير بن غفير" أحد تلامذة الحاخام المتطرف مئير كاهانا، رئيس حزب "عوتسما يهوديت"، قوة يهودية، الكهاني الجديد الذي اندمج في تحالف "الصهيونية المتدينة" قبل الانتخابات الأخيرة في خطوة أشرف عليها رئيس الوزراء الإسرائيلي" بنيامين نتانياهو" لتدعيم معسكره اليميني. وكان السياسي الأخر الذي كان من المبادرين في تنظيم هذه المسيرة هو "بتساليل سموترتش" زعيم تحالف "الصهيونية الدينية". [17]

 في صباح ١٠ أيار ٢٠٢٠ حدثت داخل المسجد الأقصى مواجهات عنيفة بين الشبان المرابطين في المسجد الأقصى لمنع المستوطنين من اقتحامه وبين شرطة الاحتلال، أصدرت المقاومة الفلسطينية على أثرها تهديدات الاحتلال لمنع اقتحام المستوطنين للمسجد الأقصى. وعلى أثر ذلك قيام المقاومة الفلسطينية بقصف القدس المحتلة برشقات من الصواريخ نتيجة لعدم امتثال الاحتلال لتهديدات المقاومة، وهذا ما أجبر الاحتلال على إلغاء المسيرة وهروب المستوطنين المشاركين فيها. [18]

 اندلعت على أثر ذلك معركة بين الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية التي خاضتها دفاعا عن القدس ولوقف سياسات الاحتلال فيها، تحت اسم "سيف القدس". بعد انتهاء  المعركة عادت المحاولات الإسرائيلية للخروج بالمسيرة التي كان من المقرر أن تخرج في ١٠ من حزيران ٢٠٢١، ولكن الاحتلال أعلن في ٧ حزيران عن تأجيل المسيرة بعد تهديدات أطلقتها المقاومة الفلسطينية للاحتلال بعدم خروج المسيرة. [19]

 عاد الاحتلال  لتنظيم المسيرة في تاريخ ١٥ حزيران ٢٠٢١، وبالفعل خرجت المسيرة في ذلك التاريخ بعد تشكل الحكومة الإسرائيلية بزعامة رئيس الوزراء اليمين المتطرف "نفتالي بينيت" زعيم حزب البيت اليهودي. إلا أن المسيرة لم تجري كما كان من المعتاد أن تجري في المسيرات السابقة، فقد اتخذ الاحتلال الكثير من الإجراءات الاحترازية تخوفا من رد فعل المقاومة الفلسطينية، حيث أعاد نشر بطاريات إضافية للقبة الحديدية، ورفع مستوى الجهوزية والتأهب في الجيش الإسرائيلي. بالإضافة لاتخاذه الكثير من الاحترازات في الداخل الفلسطيني المحتل تحسبا من تجدد الهبة الشعبية الفلسطينية.[20]

 مع أن المسرة خرجت إلا أن المعادلة تغيرت هذه المرة فقد أصبح خروج المسيرة يتطلب تدخل وسطاء ودول من أجل تمريرها، وهذا بحد ذاته يؤكد أن إسرائيل لم تعد حرة الحركة في مدينة القدس في المرحلة الحالية. فالمسيرة لم تدخل الحي الإسلامي ولم تخرج من باب العامود ولم يتم اقتحام المسجد الأقصى كما كان الاحتلال يخطط .[21]



[1] ويكبيديا عبري، رقصة الأعلام، https://2u.pw/UzLDd

[2] العساس، "يوم القدس العبري": قصة التصعيد: https://alassas.net/8451/

[3] ويكبيديا عبري، الراب يهودا حزاني، https://cutt.us/73ynG

[4] موقع وزارة العدل، جمعية عام كلافي، https://cutt.us/UaLvd

[5] ويكبيديا عبري، رقصة الأعلام، https://2u.pw/UzLDd

[6]  وكالة شمس نيوز،"إسرائيل تقرر وضع"تحرير القدس" بدل "توحيد القدس" في ذكرى احتلال المدينة. https://2u.pw/TMZCf

 [7] 24 news، نائبة وزير الخارجية الإسرائيلي تدعو اليهود الى الصعود إلى الحرم القدسي الشريف،https://2u.pw/2VblA

[8] مركز روسينج للتربية والحوار، "أيام الذكرى والاحتفال"، https://2u.pw/rE2El

[9] الجزيرة، يسيئون خلالها للإسلام ونبيه ومقدساته.. تاريخ"مسيرة الأعلام" في القدس وأسباب حرص المستوطنين على تنظيمها،

https://2u.pw/ej6Oi

 [10] متراس، "يوم القدس" مسرحية الرقص بالأعلام، https://2u.pw/k3ECO

[11]  العساس، "يوم القدس العبري": قصة التصعيد: https://alassas.net/8451/

[12] BBCعربي، مسيرة الاعلام من يقف ورائها في إسرائيل وما الهدف منها؟ https://2u.pw/hOVcP

[13] متراس، "يوم القدس" مسرحية الرقص بالأعلام، https://2u.pw/k3ECO

 [14] ويكبيديا عبري، رقصة الأعلام، https://2u.pw/UzLDd

[15] الجزيرة، يسيئون خلالها للإسلام ونبيه ومقدساته.. تاريخ"مسيرة الأعلام" في القدس وأسباب حرص المستوطنين على تنظيمها،

https://2u.pw/ej6Oi

 [16] عربي بوست، ألغاها مرتين بسبب حماس.. ما هي مسيرة الأعلام التي يحاول نتانياهو استغلالها للبقاء في الحكم فانقلبت عليه؟، https://2u.pw/b90ev

 [17] BBCعربي، مسيرة الاعلام من يقف ورائها في إسرائيل وما الهدف منها؟ https://2u.pw/hOVcP

[18] المصدر السابق.

BBC[19]عربي، مسيرة الاعلام من يقف ورائها في إسرائيل وما الهدف منها؟ https://2u.pw/hOVcP

[20] عرب ٤٨، "مسيرة الأعلام": الاحتلال يستنفر وحماس تتوعد وواشنطن تحذر مواطنيها، https://2u.pw/xwp93

[21] شبكة قدس، "مسيرة الأعلام": كيف فرضت المقاومة إرادتها على الاحتلال؟https://2u.pw/dMiId

كلمات مفتاحية
مسيرة الأعلام
القدس المحتلة
المقاومة
سيف القدس
إسرائيل
أضف تعليق
تعليقات الزوار
لا يوجد تعليقات حالياً، ما رأيك أن تفتتح التعليقات؟
تقارير
آخر الأخبار
الباحث كريم قرط يمثل "يبوس" في مؤتمر فلسطين ومستقبل الشؤون الدولية باسطنبول
الباحث كريم قرط يمثل "يبوس" في مؤتمر فلسطين ومستقبل الشؤون الدولية باسطنبول
الباحث قرط يمثل يبوس في مؤتمر فلسطين الثاني بالدوحة
الباحث قرط يمثل يبوس في مؤتمر فلسطين الثاني بالدوحة
المقالات
تسليح المستوطنين.. هل تمهد للمواجهة مع الفلسطينيين في الضفة الغربية؟
تسليح المستوطنين.. هل تمهد للمواجهة مع الفلسطينيين في الضفة الغربية؟
محور فيلادلفيا ورفح.. معضلة خيارات الاحتلال “الإسرائيلي” في توسيع الحرب
محور فيلادلفيا ورفح.. معضلة خيارات الاحتلال “الإسرائيلي” في توسيع الحرب
الخيارات الإسرائيلية المعقدة في قطاع غزة
الخيارات الإسرائيلية المعقدة في قطاع غزة