"خراب الهيكل".. سياسية إسرائيل لفرض السيادة على الأقصى
تاريخ النشر: 01/08/2021 - عدد القراءات: 2635
"خراب الهيكل".. سياسية إسرائيل لفرض السيادة على الأقصى
"خراب الهيكل".. سياسية إسرائيل لفرض السيادة على الأقصى


بقلم: أ. كريم قرط، باحث في مؤسسة يبوس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية، رام الله

 شهد يوم 18 تموز/مايو2021 اقتحاما واسعا للمستوطنين المتدينين للمسجد الأقصى لإحياء ما يطلقون عليه ذكرى "خراب الهيكل" الأول والثاني، التي تصادف يوم التاسع من آب/يونيو حسب التقويم العبري في كل عام.

 

اقتحام هذا العام جاء بعد قرابة شهر على مسيرة الأعلام الإسرائيلية التي تجري احتفالا بيوم احتلال إسرائيل للقدس. وبعد وقت قصير من اندلاع معركة "سيف القدس" التي جاءت ردا على الانتهاكات الإسرائيلية المتصاعدة بحق القدس وأهلها، والتي شكلت محطة جديدة ووضعت خطوطا أمام تحرك الاحتلال  باتجاه القدس وأضطر الجماعات اليهودية لتأجيل مسيرة الأعلام مرتين، وتقييدها عند خروجها في المرة الثالثة.

ورغم نتائج معركة "سيف القدس"، إلا أن الاحتلال الإسرائيلي يسعى لفرض واقع جديد في القدس والمسجد الأقصى يتمثل بفرض التقسيم الزماني والمكاني على غرار الحرم الإبراهيمي في الخليل.

خراب الهيكل

يحيي اليهود في التاسع من آب/يونيو حسب التقويم العبري ذكرى خراب الهيكل الأول والثاني، اللذان دُمرا في نفس اليوم حسب التأريخ اليهودي. فحسب التاريخ اليهودي، بنى النبي سليمان الهيكل الأول، المعروف بـ"هيكل سليمان، في الفترة بين 960-953 ق.م، فوق جبل موريا وهي الهضبة التي يقع عليها المسجد الأقصى اليوم. وقد هدم نبوخذ نصّر البابلي هذا الهيكل عام 586 ق.م، إبان السبي البابلي.[1] وأعاد الحاكم الروماني هيرود، بعد استيلاء الرومان على فلسطين، بناء الهيكل الذي سُمي بـ"هيكل هيرود" أو الهيكل الثاني، حيث بدأ العمل فيه منذ 20-19 ق.م. ولكن القائد الروماني تيتوس قام بهدم هذا الهيكل عام 70 م ثورة اليهود ضد الحكم الروماني.[2]  ويعتبر هدم الهيكل الثاني، حسب الكتابات الصهيونية، السبب وراء شتات اليهود في المنفى كأقليات مضطهدة بين الأمم.[3]

ومع أهمية هذا الحدث بالنسبة لليهود، إلا أن اقتحام المسجد الأقصى والخروج بمسيرة لإحياء ذكرى خراب الهيكل لم تكن عادة دارجة لدى اليهود، فحسب الفتاوى اليهودية يحرم على اليهود الدخول للمسجد الأقصى، الذي يسمونه "هار هبيت" جبل الهيكل، لأن اليهود يعتبرون نجسين بسبب اختلاطهم وملامستهم للأموات. حيث إن أهم مصادر النجاسة، في الديانة اليهودية، هو لمس الموتى أو لمس أناس وجدوا في مكان فيه موتى أو المكوث مع أناس وجدوا في مكان فيه موتى. وتنتشر هذه النجاسة بسرعة من شخص إلى آخر بمجرد أن يلمس المصاب بها شخصا آخر أو يجلس معه. وكانت عملية التطهر من النجاسة تتم قديما بالتطهر برماد بقرة حمراء مخلوط بالماء. ولكن هذا النوع من البقر لم يعد موجودا في الفترة الحالية، لذلك حرم حاخامات اليهود طوال العصور الماضية دخول اليهود إلى المسجد الأقصى  بمجمل مساحته التي تبلغ     44 دونما، وليس فقط إلى مساحة المكان الذي يعتقدون أن الهيكل كان موجودا فيه، وذلك لعدم معرفة مكان وجود الهيكل بدقة، ومكان وجود الجزء الأكثر أهمية فيه الذي يطلق عليه "قدس الأقداس،" وهو مسكن الرب يهوه. ولذلك فقد حرّمت فتاوى دخول اليهود إليه، وحرمت كذلك صلاتهم فيه. وأكدت هذه الفتاوى أيضا أن  بناء الهيكل لن يتم بواسطة البشر وإنما بواسطة المسيح المخلص.[4] وبعد احتلال القدس عام 1967 أصدر مجلس الحاخامية الرئيسة في إسرائيل  فتوى بحرمة دخول اليهود وصلاتهم في المسجد الأقصى.[5]

وبعد احتلال القدس بأسابيع قليلة فرض وزير الأمن الإسرائيلي موشيه ديّان حالة الستاتسكو "الوضع القائم" في المسجد الأقصى الذي تقرر فيه أن يكون حائط البراق مكانا لصلاة اليهود، وأن يبقى المسجد الأقصى مخصصا للمسلمين وحدهم، مع منح اليهود حق زيارته في الأوقات المخصصة لزيارة السياح له.[6]  إلا أنه مع التغيرلت التي شهدها المجتمع الإسرائيلي، وخصوصا بعد حرب 1967، التي عدت نصرا إلهيا بالنسبة لليهود، وهو ما أدى إلى تنامي قوة التيار الديني القومي وظهور حركات ومنظمات يمينية دمجت بين الصهيونية والدين اليهودي انطلاقا من رؤية الراب يتسحاق كوك الذي اعتبر "أن إقامة الدولة اليهودية في فلسطين هي فكرة إلهية وأن الحركة الصهيونية ما هي إلا أداة في يد الله"، ولذلك فالحركة الصهيونية والدولة اليهودية تمثل الطريق إلى الخلاص، وليست الخلاص بحد ذاته.[7] وقد أدى ذلك إلى ظهور العديد من الجماعات والمنظمات الدينية القومية منذ بادية السبعينيات، ومن ضمنها الجماعات الساعية إلى إقامة الهيكل الثالث وتغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى.

وتتعد وتتنوع الحركات والمنظمات العاملة من أجل الهيكل في نشاطها وأهدافها، ويصنفها الباحث محمود محارب على النحو الآتي:[8]

·        منظمات تهدف لبناء الهيكل، مثل: معهد الهيكل، والحركة لبناء الهيكل.

·        جعل جبل الهيكل (المسجد الأقصى) مركزا قوميا ودينيا وثقافيا لليهود، مثل: حركة أمناء جبل الهيكل، وحركة "إلى جبل هامور".

·        السماح لليهود بالصلاة في المسجد الأقصى، مثل: حركة حقوق الإنسان في جبل الهيكل.

·        السعي لفرض سيطرة اليهود على المسجد الأقصى ومنع المسلمين من دخوله، مثل: حركة "جبل الهيكل لنا".

وغير ذلك من الحركات والمنظمات الساعية للتثقيف حول الهيكل وإعداد الأدوات المطلوبة في طقوس العبادة فيه.

لم تؤدِ هذه التحولات في المجتمع الإسرائيلي إلى إحداث تغير سريع بالنسبة للوضع القائم في المسجد الأقصى، ولم يكن مسموحا في البداية تسجيل منظمات الهيكل كمنظمات قانونية، ولم يبدأ إحياء ذكرى خراب الهيكل بالتزامن معها. فقد منع المستشار القضائي ا لحكومة إسرائيل مئير شمغارمحاولة في  1971 لتسجيل "الجمعية من أجل بناء الهيكل في القدس" كجمعية قانونية،  لكن هذه الحالة تغيرت، ومنذ  1980 بدأ تسجيل هذه الجمعيات بكثرة والاعتراف بقانونيتها.[9] وبالإضافة إلى ذلك، درجت محكمة العدل العليا الإسرائيلية حتى منتصف عقد الثمانينيات على عدم الاستجابة لطلب جماعات الهيكل بالدخول إلى المسجد الأقصى والصلاة فيه، إلا أن  محكمة العدل العليا الإسرائيلية غيرت  توجهها في عقد الثمانينيات، وأكدت أن من حق اليهود دخول إلى المسجد الأقصى والصلاة فيه.[10]

وقد ترافقت هذه التحولات مع صعود اليمين الإسرائيلي بقيادة حزب الليكود للحكم منذ العام 1977، الذي أوجد مظلة للجمعيات والمنظمات المتطرفة نتيجة دعمها له في الانتخابات. كانت ذكرى خراب الهيكل مناسبة مهمة للمنظمات الهيكل لاستغلالها لاقتحام المسجد الأقصى، إلا أن إحياء هذه الذكرى لم يبدأ إلا منذ العام 1994، حيث إن عملية السلام ومسار التسوية بين الاحتلال ومنظمة التحرير الفلسطينية أشعر المتدينين اليهود بالخوف من أن مسار السلام مع الدول العربية، الذي بدأ في مؤتمر مدريد 1991، يمكن أن يؤدي إلى تسوية تتنازل بموجبها إسرائيل عن القدس الشرقية بما فيها المسجد الأقصى، ولذلك شرعت  بإحياء ذكرى خراب الهيكل واقتحام المسجد الأقصى للتأكيد على السيادة الإسرائيلية على مدينة القدس بكاملها كـ"عاصمة أبدية" للكيان الإسرائيلي.[11] 

وللتأكيد على ذلك، أصدرت لجنة حاخامات مجلس المستوطنات في الضفة المناطق الفلسطينية المحتلة فتوى أجازت فيها لليهود دخول المسجد الأقصى، ودعت كل الحاخامات لدخوله.[12] وبعتبر عام 2000 نقطة تحول مهمة في مسار  اقتحام المسجد الأقصى، فبعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية أصبحت منظمات الهيكل تحظى بدعم حكومي مكنها من زيادة وتيرة اقتحامها للأقصى وتصعيد خطابها حول الهيكل.[13] فبعد عام 2000 غيرت إسرائيل، إجراءات الزيارة لليهود المتعبة حسب حالة الستاتسكو التي وضعها ديّان، وأعادت تحديدها من يوم الأحد حتى يوم الخميس، من الساعة السابعة صباحا حتى الحادية عشرة قبل الظهر، أي قبل الصلاة بأقل من ساعة، ومن بعد صلاة العصر حتى قبل صلاة المغرب.[14]

تصاعدت وتيرة الاقتحامات للمسجد الأقصى في ظل حكم رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتانياهو، الذي عاد للحكم للمرة الثانية عام 2009، واستمر اقتحام المستوطنين لليهود بالتصاعد خلال فترة حكمه التي استمرت حتى العام الجاري، وخصوصا في ذكرى خراب الهيكل. وقد كان لتولي الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لمنصبه في البيت الأبيض، واعترافه بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها، وإعلانه عن "صفقة القرن" الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية دور مهم في من إطلاق يد إسرائيل في تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى، وإضعاف نفوذ الأردن التي تشرف على المسجد الأقصى وتدير شؤونه، حسب اتفاقية واد عربة 1994، وإدخال أطراف عربية أخرى، مثل السعودية والإمارات، على خط التنافس على إدارة شؤون المسجد.[15]

 ما الذي حدث هذا العام؟

جاءت ذكرى خراب الهيكل في هذا العام في ظروف مختلفة عن الأعوام السابقة، من حيث أن هناك حكومة إسرائيلية جديدة بزعامة نفتالي بينت، ربيب نتانياهو الذي انقلب عليه وخرج من تحالفه إلى تحالف الساعين إلى إزالته عن الحكم. ومع أن بينت لا يختلف في توجهاته السياسية عن سلفه نتانياهو، إلا أن تركيبة الحكومة الإسرائيلية الحالية لا تعطيه حرية التصرف والعمل فيما يتعلق بالقضايا التي تشكل نقاط خلاف بين مكونات التحالف. فهذا التحالف الحكومي مكون من أحزاب يمين ويسار ووسط وحزب عربي بتوجهات إسلامية (القائمة العربية الموحدة) وهي مكونات مختلفة في توجهاتها حول مسائل كثيرة، ومنها علاقة الدين بالدولة والموقف من التيار الحريدي ونشاطه السياسي والديني.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الذكرى جاءت بعد قرابة الشهرين على معركة "سيف القدس" التي خاضتها المقاومة الفلسطينية لردع الاحتلال عن انتهاكاته في القدس والمسجد الأقصى. ففي تلك المعركة أجبرت المقاومة الاحتلالَ على تأجيل مسيرة الأعلام، التي تخرج في ذكرى احتلال القدس، لمرتين، وقيدت مسارها في المرة الثالثة. وهو ما بدى وكأنه زعزعة للسيادة الإسرائيلية على القدس. ولذلك كانت هذه الاحتفال بهذه الذكرى مختلفا هذا العام، فيما بدا وكأنه محاولة لفرض السيادة وتعزيزها على القدس والمسجد الأقصى.

ففي هذا العام اتخذت سلطات الاحتلال العديد من الإجراءات قبيل خروج المظاهرة في مساء السبت وخلال الاقتحام صبيحة يوم الأحد 18 تموز، لمنع أي احتكاك بين المستوطنين والفلسطينيين في القدس، خشية أن يؤدي ذلك إلى تصعيد.  حيث نشرت قوات الاحتلال حواجز معدنية في منطقة باب العامود وأخلتها بالكامل ومنعت الفلسطينيين من الدخول باتجاه القدس القديمة ونشرت الحواجز داخل القدس تزامنا مع مسيرة للمستوطنين. هذا، وقد اقتحمت شرطة الاحتلال المسجد الأقصى في صبيحة يوم الأحد وأخلته من المصلين ومنعتهم من التجمهر والتنقل بحرية وأرغمتهم على مغادرة ساحات الحرم. وقد اقتحم المسجد الأقصى قرابة 1600 مستوطن بشكل متتابع برفقة عضوين من أعضاء الكنيست الإسرائيلي عن حزب رئيس الوزراء نفتالي بينت "يمينا". وعلاوة على ذلك، فقد أدى المستوطنون الصلاة في المسجد الأقصى، وهو أمر يحدث لأول مرة، ويخالف حالة الستاتسكو وفتاوى الحاخامات اليهود حول صلاة اليهود في المسجد الأقصى، فيما تغاضت الشرطة الإسرائيلية عن هذه الصلوات التي كانت تمنعها فيما مضى.[16]

وجرت هذه الأحداث بتوجيه مباشر من رئيس الحكومة الإسرائيلية بينت، الذي وجه باستمرار اقتحام المستوطنين بشكل منظم وآمن مع الحفاظ على النظام في المكان[17]. وبالإضافة إلى ذلك، فقد صرّح بينت عقب الاقتحام أنه "يجب الحفاظ على حرية العبادة لدى اليهود والمسلمين في المسجد الأقصى". وهو ما يُعد تغييرا جذريا لحالة الستاسكو القائمة في المسجد الأقصى.  ولكن بينت سرعان ما تراجع عن تصريحاته، وصدر توضيح عن مكتبه وضّح أن بينت قد أخطأ عندما قال السماح بحرية العبادة لليهود في المسجد الأقصى، وأنه كان يقصد حرية الزيارة كما هو متعارف عليه حسب حالة الستاتسكو.[18]

لم يكن تراجع بينت عن تصريحه ناتجا عن خطأ في التعبير حسب بيان مكتبه، وإنما كان ذلك بسبب ردود الفعل الداخلية والخارجية التي أثارها تصريحه. فقد طلب الرئيس الأمريكي جو بايدن من بينت توضيحا مكتوبا لفحوى تصريحه، نتيجة احتجاجه عن محاولة تغيير حالة الستاتيسكو في المسجد الأقصى.[19]

وإلى ذلك، فقد اعترضت القائمة العربية الموحدة، الشريكة في الائتلاف الحكومي، على تصريح بينت، فقد جاء في بيان مشترك للقائمة العربية الموحدة والحركة الإسلامية الجنوبية، "أنهما لن تقبلا بسماح السلطات الإسرائيلية للمستوطنين وشخصيات ونواب في الكنيست باقتحام الأقصى وأداء صلوات تلمودية وطقوس دينية وقراءة النشيد الوطني الإسرائيلي "هتكفا" في باحات المسجد". وأكدتا على أن "المسجد الأقصى المبارك بكل مساحته البالغة 144 دونما هو حق خالص للمسلمين وليس لأحدهم أي حق فيه".[20] ونظرا لكون القائمة الموحدة شريكة في الائتلاف الحكومي، الهش بطبيعة الحال، فإن أي خلاف معها قد ينذر  بانسحابها من الائتلاف وانهيار الحكومة؛ لأن نجاح هذا التحالف الحكومي لم يكن ليكون إلا بمشاركة القائمة الموحدة فيه.

وقد ترافقت الدعوات إلى اقتحام المسجد الأقصى مع تحذير أصدرته حركة حماس للاحتلال الإسرائيلي من الاعتداء على المسجد الأقصى، حيث جاء في بيانها، "نُحذر حكومة المراهقين الأشقياء من محاولة اختبار صبر المقاومة ورجالها الأبطال، والذين عاهدوا الله على ألا يكلّوا ولا يملّوا في الدفاع عن أغلى ما يملكون والمتمثل بالمسجد الأقصى المبارك".[21] ولم تكن الحكومة الإسرائيلية بمعزل عن هذا التحذير، وكانت مدركة لاحتمالية اندلاع تصعيد جديد جراء هذا الحدث، وهو ما انعكس على آلية تنظيم المسيرة والاقتحام التي حاولت فيها سلطات الاحتلال تجنب حدوث أي احتكاك بين المستوطنين والفلسطينيين خشية الانجرار إلى تصعيد جديد.

ماذا بعد خراب الهيكل؟

لم يجرِ إحياء ذكرى خراب الهيكل في هذا العام بمعزل عن السياق الذي نتج عن معركة "سيف القدس" وتبعاتها. وفي إطار ذلك يرى المختص في شؤون القدس زياد إبحيص أن جماعات الهيكل وحكومة الاحتلال تعولان من خلال هذه المسيرة، على تعويض جزء مما خسرته في مواجهات رمضان ومعركة "سيف القدس"، ضمن محاولتها المستمرة لقضم هذا التعويض من الأطراف وبشكل تدريجي في الشيخ جراح وسلوان منذ انتهاء المعركة حتى اليوم. ويضيف أن المتطرفين اليهود يريدون لهذه الذكرى، أن تكون مناسبة لاستعادة زخم العدوان على المسجد الأقصى بعد مواجهات رمضان ومعركة “سيف القدس”، بأن يقتحموا المسجد بالآلاف، ويقيموا فيه صلواتهم العلنية الجماعية، ويعلنوا كل رموز سيادتهم وحضورهم رغم تقاطعه مع مناسبة إسلامية[22].

وبناء على هذا الاعتبار، فإن سلطات الاحتلال حاولت أن توازن بين هدفين من وراء هذه الاقتحام، الامتناع عن تأجيل المسيرة أو إلغائها كي لا يكون ذلك تعبيرا جديدا عن معادلة «غزة - القدس» وانصياع الاحتلال للمقاومة الفلسطينية؛ ومنع الاحتكاك بين المستوطنين والفلسطينيين كي لا يؤدي ذلك إلى تصعيد من شأنه جر الجانبين إلى تصعيد جديد. وعليه، فقد عملت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية على منع أي إمكانية مادية للاحتكاك بين المستوطنين وبين المقدسيين، سواء في ما يتعلق بالمسيرة نفسها وأماكن مرورها ، أو بمنع المقدسيين مسبقا من الوجود في أماكن الاحتكاك، لذلك جاءت الإجراءات صارمة جداً ومتحكمة بالميدان.[23]

وعلى أية حال، فإن محاولة فرض العضلات التي قامت بها السلطات الإسرائيلية، سرعان ما تراجعت عنها، وهو ما ظهر من خلال تراجع بينت عن تصريحه حول حرية عبادة اليهود في المسجد الأقصى. وكان هذا التراجع عائدا لطبيعة المشهد المعقد على مستوى الحكومة الإسرائيلية، وعلى مستوى الإقليم، والتواجه مع المقاومة الفلسطينية في غزة التي لم تصل إلى تفاهمات بعد الحرب معها حول مسائل إعادة الإعمار ورفع الحصار ومسألة الجنود الأسرى، وهو ما يجعل احتمالية التصعيد واردة جدا.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن إسرائيل تدرك أن الإقدام على خطوة تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى وفرض تقسيمه زمانيا ومكانيا هي خطوة خطيرة جدا. فحسب رئيس الشاباك الإسرائيلي السابق عامي أيلون يحتاج تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى لتمهيد وصبر ضمن عملية سياسية واسعة تشمل المغرب والسعودية ومصر والأردن والفلسطينيين؛ لأن الإقدام على هذه الخطوة دون ذلك، ينذر بانفجار كبير في المنطقة.[24] وما يعزز هذه المخاوف هو التصريحات التي صدرت عن عدد من الجماعات الموالية لإيران في لبنان واليمن والعراق بأن الاعتداء على المسجد الأقصى سيؤدي إلى حرب إقليمية تنخرط فيها كل هذه الأطراف وليس المقاومة الفلسطينية وحدها. وتعززت هذه المخاوف بعد إطلاق صورايخ من لبنان تجاه إسرائيل عقب اقتحام المسجد الأقصى في ذكرى خراب الهيكل، وهو ما يراه محللون إسرائيليون تنفيذا من إيران وحزب الله لوعودهم السابقة بدفاعهم عن المسجد الأقصى والقدس.[25]



[1]  عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، مج 4، ص 162.

[2] المرجع السابق، ص 163.

[3]  المرجع السابق، ص 166.

[4]  محمود محارب، "سياسة إسرائيل تجاه الأقصى"، سياسات عربية، عدد 19 (آذار 2016)، ص6.

[5]  المرجع السابق، ص 20.  

[6] المرجع السابق.

[7] سعيد عياش: نظرة على نشأة "مركاز هراف" وفكرها ومكانتها، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، https://2u.pw/f6ESm

[8]  محارب، مرجع سابق، ص 13.

[9]  وديع عواودة، "الهيكل الثالث.. فكرة على عتبة التنفيذ"، قضايا إسرائيلية (2013)، ص 100.

[10]  محمود محارب، مرجع سابق، 21.

[11] يحيى دبوق، إسرائيل تخشى «خراباً ثالثاً» ارتداع بوجه المقاومة واشتباك «يهودي» بيني، صحيفة الأخبار اللبنانية، https://al-akhbar.com/Palestine/311814

[12] محمود محارب، مرجع سابق، 21.

[13]  وديع عواودة، مرجع سابق، ص 95.

[14]  عليان الهندي، "الأطماع اليهودية في المسجد الأقصى الإجراءات الممهدة للتقسيم الزماني والمكاني"، شؤون فلسطينية، ع 269 (خريف 2017).

[15]  العربي الجديد: اقتحامات الأقصى: تسريع وتيرة تغيير الوضع القائم، https://2u.pw/8UHwh

[16] العربي الجديد: تصعيد خطير في اقتحامات الأقصى بإيعاز من رئيس حكومة الاحتلال، https://2u.pw/joUf0

[17] الأناضول: بينيت يوجه باستمرار تأمين اقتحامات المستوطنين اليهود للأقصى، https://2u.pw/Yt67Z

[18] جريدة الأيام:  بينيت يتراجع: الوضع الراهن في المسجد الأقصى سيبقى كما هو، https://2u.pw/WAkvd

[19]  أليف صباغ، هل يحقّق الصهاينة هدفهم بتقسيم الأقصى مكانياً وزمانياً؟، الميادين، https://2u.pw/N73ey

[20] شبكة رصد: الحركة الإسلامية تحذر الاحتلال: «اقتحامات الأقصى ستقود إلى حرب دينية بالمنطقة»، https://rassd.com/500586.htm

[21] العربي الجديد: عقب دعوات استيطانية لتكثيف اقتحامه... "حماس" تحذر إسرائيل من الاعتداء على المسجد الأقصى، https://2u.pw/QQz69

[22] صحيفة الغد: جماعات “الهيكل” تحشد لاقتحام “الأقصى” ورد اعتبارها، https://2u.pw/QmjcF

[23] يحيى دبوق، إسرائيل تخشى «خراباً ثالثاً» ارتداع بوجه المقاومة واشتباك «يهودي» بيني، صحيفة الأخبار، https://al-akhbar.com/Palestine/311814

[24]  وديع عواودة، مرجع سابق، ص 100.

[25]  المدن: معادلة جديدة: صواريخ الجنوب على إسرائيل بأوامر من طهران؟، https://2u.pw/HIzfc

كلمات مفتاحية
خراب الهيكل
القدس المحتلة
المسجد ألأقصى
سيف القدس
أضف تعليق
تعليقات الزوار
لا يوجد تعليقات حالياً، ما رأيك أن تفتتح التعليقات؟
تقارير
آخر الأخبار
الباحث كريم قرط يمثل "يبوس" في مؤتمر فلسطين ومستقبل الشؤون الدولية باسطنبول
الباحث كريم قرط يمثل "يبوس" في مؤتمر فلسطين ومستقبل الشؤون الدولية باسطنبول
الباحث قرط يمثل يبوس في مؤتمر فلسطين الثاني بالدوحة
الباحث قرط يمثل يبوس في مؤتمر فلسطين الثاني بالدوحة
المقالات
تسليح المستوطنين.. هل تمهد للمواجهة مع الفلسطينيين في الضفة الغربية؟
تسليح المستوطنين.. هل تمهد للمواجهة مع الفلسطينيين في الضفة الغربية؟
محور فيلادلفيا ورفح.. معضلة خيارات الاحتلال “الإسرائيلي” في توسيع الحرب
محور فيلادلفيا ورفح.. معضلة خيارات الاحتلال “الإسرائيلي” في توسيع الحرب
الخيارات الإسرائيلية المعقدة في قطاع غزة
الخيارات الإسرائيلية المعقدة في قطاع غزة